كيف اصنع نفسي
لقد آثرت تشكيل كلمة الخيار (بفتح الخاء) كي لا يظن أحدا أنني أتحدث عن الخِيار (بكسر الخاء)! بالمناسبة (الخَيار) لا يفيد الجبنة!
في حياتنا اليومية نتعرض لخيارات كثيرة. مثلا حينما تدخل البيت ليلا فأمامك خياران. الأول: أن تشعل مفتاح الإنارة والثاني: أن لا تشعله. لو أشعلت المصباح فسوف ترى البيت بشكل جيد وتذهب إلى غرفة نومك لتغط في سبات عميق، ونحن نتمنى لك ذلك. أما لو لم تشعل المصباح فربما ترتطم في الأريكة وتكسر إصيص الزهر العتيد أو ربما تصطدم بشبح مثلا (لو كان بالإمكان الاصطدام بشبح لا الولوج فيه)! دعونا نرى مثالا آخر. يعرض عليك رجل مبلغا ماليا كبيرا من أصفار عدة، فيصبح أمامك خياران، إما أن تقبل المبلغ وتنفذ مشروع عمرك أو ترفض فتمكث متشردا تسب وتلعن الحكومة والمجتمع.
في المثالين السابقين تحدثنا عن خيارين اثنين لا أكثر. مع الأسف، فإن الحياة يحلو لها دائما مداعبتنا، فلا تكتفي بخيار واحد. مثلا تذهب إلى مقهى شهير في مدينتك. تدخل أنت وصديقك متفاخرا بأنك من أبناء المقاهي الراقية (وأنت لم تدخل واحدا من قبل). إذا كنت لم تدخل مقاهٍ جيدة من قبل فسوف تصاب بصدمة كما سترى الآن. سوف يسألك النادل عما تريد، فتنظر إلى الأسماء الغريبة (موكا، كابشتينو، لاتيه، اسبرسو، اسبرسو دوبيو، رستريتو، ماتشياتو). نطرة الغباء الكونية التي ترتسم على وجهك تعني الكثير.. على الأقل هي تعني أنك لم تزر مقهى كوستا من قبل
هذا الوضع الكارثي لن ينقذك منه إلا أن تفعل ما فعلته حينما دخلت كوستا لأول مرة فقد اخترت أحد الأنواع ولا أذكره. أنت تعرف شعور الإحراج حينما تختار مشروبا لا تعرفه والمفترض أن تبدو سعيدا جدا وأنت تشربه أمام ضيفك. الخيارات الكثيرة تصعب العملية إلى أبعد الحدود. وهكذا هي الحياة. تواجهك بسلسة خبارات لا تنتهي ومن المفترض أن تكون أنت الخبير الذي لا يشق له غبار في التعرب على الخيارات كلها شرها وخيرها.
من المؤكد أن اختيارك يحدد أمورا كثيرة. لهذا تجد الناس منها المهندس والإداري والبائع والمحاسب والجزار والخباز والطبيب إلخ. كل هؤلاء وجدت أمامهم خيارات متعددة واختاروا واحدا منها. بقول ربنا سبحانه وتعالى (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ويقول في آية أخرى ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ). لقد خلق الله سبحانه وتعالى أمامنا الخيارات وهدانا إلى كيفية انتقاء الخيار الصائب. ويبين الله سبحانه وتعالى كيف يمكن لإنسان أن قرر الخوض في خيار خاسر كما فعلت ثمود فيقول الله عز وجل (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى).
إذن خياراتنا هي التي تحدد ما نحن فيه الآن. الخيارات التي اخترناها والخيارات التي تركناها وراء ظهورنا هي التي حددت شخصيتنا. ما دام الأمر كذلك، فلا يمكن لنا العودة إلى الوراء وتغيير خياراتنا. لكن يمكننا فعل ذلك الآن. وما أتحدث عنه هو أن نتعلم كيف نعرف الخيارات المتاحة لنا. ربما يفيدك أن تكتبها كي تتعرف عليها. أحيانا الخيارات تكون المسافة بينها واهية فلا ندرك الفرق بينها. ربما لو نظرنا إلى الحوادث التي تصادفنا في الحياة اليومية على أنها خيارات فسوف يسهل علينا الترعف على تلك الخيارات. وهذا هو شخصيا ما أفعله. إذا قدم لي أحدهم مثلا طبقا من الحلوى أقف ثانية وأفكر. لو تناولت الطبق فسوف أتناول سعرات حرارية كبيرة جدا مما يزيد من وزني ولو رفضت لن يزيد وزني. إذن يجب أن أرفض وأتناول جزءا من الطبق فقط.
القرار والقبان
ماذا يختلف القرار عن الخيار إذن؟ إذا قمنا بتمثيل الفرق بين الخيار والقرار فإني أعرض هذا المثال كما موضح في الصورة. الصورة تظهر إنسانا يقف بين أربع خيارات. كل خيار يمثله لون مختلف. هذه الصورة تظهر الخيارات لكنها لا تظهر القرار الذي اتخذه ذلك الشخص. هو يقف في الوسط حائرا يبحث عن الطريق. القرار يلزمه إجرائين. الإجراء الأول هو التعرف على الخيار الصحيح. والإجراء الثاني هو اختيار الخيار الصحيح. والإجراء الثاني هو ما يفشل فيه كثير من الناس. فكم من شاب عرف الجادة ثم حاد عنها. لهذا تؤلمني جدا قصة الوليد بن المغيرة حين أقرأ سورة المدثر. أتألم لأنه عرف الخيار الصحيح لكنه لم يتخد القرار الصحيح.
تعليقات
إرسال تعليق